ابن عساكر
264
تاريخ مدينة دمشق
قالوا بايع أهل العراق بعد علي بن أبي طالب الحسن بن علي ثم قالوا له سر إلى هؤلاء القوم الذين عصوا الله ورسوله وارتكبوا العظيم ( 1 ) ، وابتزوا الناس أمورهم فأنا نرجو أن يمكن الله منهم فسار الحسن إلى أهل الشام وجعل على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة في اثنى عشر ألفا وكانوا يسمون شرطة الخميس وقال غيره وجه إلى الشام عبيد الله بن العباس ومعه قيس بن سعد فسار فيهم قيس حتى نزل مسكن والأنبار وناحيتها وسار الحسن حتى نزل بالمدائن واقبل معاوية في أهل الشام يريد الحسن حتى نزل جسر منبج فبينا الحسن بالمدائن إذ نادى مناد في عسكره إلا أن قيس ( 2 ) بن سعد قد قتل قال فشد الناس على حجرة الحسن فانتهبوها حتى انتهبت بسطه وجواريه واخذوا رداءه من ظهره وطعنه رجل من بني أسد يقال له ابن أقيصر بخنجر مسموم في أليته فتحول من مكانه الذي انتهب فيه متاعه ونزل الأبيض قصر كسرى وقال عليكم لعنة الله من أهل قرية فقد علمت أنه لا خير فيكم قتلتم أبي بالأمس واليوم تفعلون بي هذا ثم دعا عمرو بن سلمة الأرحبي فأرسله وكتب معه إلى معاوية بن أبي سفيان يسأله الصلح ويسلم له الأمر على أن يسلم له ثلاث خصال يسلم له بيت المال فيقضي منه دينه ومواعيده التي عليه ويتحمل منه هو ومن معه عيال أهل أبيه وولده وأهل بيته ولا يسب علي وهو يسمع وان يحمل إليه خراج فسا ( 3 ) ودار أبجرد ( 4 ) من ارض فارس كل عام إلى المدينة ما بقي فأجابه معاوية إلى ذلك وأعطاه ما سأل ( 5 ) .
--> ( 1 ) في سير الاعلام 3 / 263 العظائم . ( 2 ) بالأصل " سعد " وقد شطبت وكتب فوقها " قيس " ومثلها في سير الاعلام ومختصر ابن منظور . ( 3 ) فسا : من أنزه مدن درابجرد في فارس بينها وبين شيراز سبعة وعشرون فرسخا ( معجم البلدان ) . ( 4 ) دارابجرد ، ويقال : درابجرد : كروة بفارس ، من مدنها فسا وهي أكبر من درابجرد ( معجم البلدان ) . ( 5 ) أقام الحسن بن علي بالكوفة بعد مقتل أبيه شهرين كاملين لا ينفذ إلى معاوية أحد ، ولا ذكر المسير إلى الشام فورد عليه كتاب من ابن عباس ومما جاء فيه : " يا ابن رسول الله فإن المسلمين ولوك أمرهم بعد أبيك - رضي الله عنه - وقد أنكروا قعودك عن معاوية وطلبك لحقك فشمر للحرب وجاهد عدوك " . فبعث الحسن بكتاب إلى معاوية - بعد بيعته - يدعوه إلى طاعته وبيعته فكتب إليه معاوية برفض ما طلبه منه ثم جمع الناس وخرج في ستين ألفا يريد العراق ، عندئذ سار الحسن من الكوفة إلى مسكن وتجهز وعبأ الجيش ، وجرت في عسكره مشاحنات حتى أنهم نفروا بسرادقه ، ونهبوا متاعه ، وتفرق الامر عنه ، فكتب إلى معاوية في الصلح وفق شروط . وكان ذلك بعد أن رأى الحسن نفسه أمام ظروف دقيقة - حتمت عليه - بعد موقف الحيرة الذي وجد نفسه فيه اتخاذ الموقف الجرئ الواضح والذي لم يرض أن يهراق في امره محجمة دم ، فكانت خطة حقن الدماء التي أقرها وقررها . وأما الظروف التي أملت عليه اتخاذ هذا الموقف فهي : 1 - خطة الحرب النفسية والدعاية التي شنها معاوية والتي قضى من ورائها تدمير مقاومة الجيش وصموده في مسكن . 2 - نشر الشائعات في جيش الحسن ، وكانوا من أغرار الناس المتأرجحين بين الطاعة والعصيان والمتأهبين للفتنة والاضطرابات في كل حين . 3 - تهديم معنويات جيش الحسن . هذا ما أدى إلى نهب سرادق الحسن ومتاعه وعامة أثقاله وتفرق أصحابه . ومما أدى إلى تطول سنان بن الجراح الأسدي على الحسن ومهاجمته وجرحه جراحة كادت تأتي عليه . وما هم به المختار بن أبي عبيد في إقناع عمه باستيثاق الحسن وأن يستأمن به من معاوية ، وانخزال القبائل قبيلة بعد قبيلة إلى معاوية . أمام هذا كله وقف الحسن متأملا ، غير عابئ بما يدور حلوه ، ووضع خطته فيما يريده الله وما يؤثره من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يجب لصيانة المبدأ ، أما ما يقوله الناس ، فلم يكن ذلك مما ينبه كثيرا . ( انظر اليعقوبي - الطبري - البداية والنهاية ) . ومما اشترطه الحسن على معاوية : 1 - أن يعمل معاوية بالمؤمنين بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الخلفاء الصالحين من بعده . 2 - ليس لمعاوية أن يعهد لاحد من بعده عهدا بل يكون الامر من بعده شورى بين المسلمين . 3 - الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم . 4 - أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم ودمائهم وعلى معاوية عند الله وميثاقه . وذكر أنه اتفق بينهما على معاهدة صلح وقعها الفريقان : وصرتها كما أخذناها من مصادرها حرفيا : المادة الأولى : تسليم الامر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله [ المدائني فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج 4 / 8 ] وبسيرة الخلفاء الصالحين [ فتح الباري فيما رواه ابن عقيل في النصائح الكافية ص 156 ] . المادة الثانية : أن يكون الامر للحسن من بعده [ تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 194 والإصابة 2 / 12 - 13 ودائرة معارف وجدي 3 / 443 ] وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد [ المدائني فيما رواه عنه ابن أبي الحديد 4 / 8 والفصول المهمة لابن الصباغ وغيرهما ] . المادة الثالثة : أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة وان لا يذكر عليا إلا بخير [ الأصفهاني : مقاتل الطالبيين ص 26 شرح النهج 4 / 15 وقال آخرون أنه أجابه على أن لا يشتم عليا وهو يسمع . وقال ابن الأثير : ثم لم يف به أيضا ] . المادة الرابعة : يسلم ما في بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف للحسن وله خراج دارابجرد الطبري 6 / 92 وفي الاخبار الطوال ص 218 أن يحمل لأخيه الحسين في كل عام ألفي الف ، ويفضل بني هاشم في العطاء والصلاة على نبي عبد شمس ] . المادة الخامسة : أن لا يأخذ أحدا من أهل العراق بإحنة ، وأن يؤمن الأسود والأحمر ويحتمل ما يكون من هفواتهم [ الاخبار الطوال ص 218 ] وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم [ فتوح ابن الأعثم 4 / 160 ] .